تيتون راشد الراسبي
تيتون راشد الراسبي
الجمعة 18 أبريل 2014

جديد الأخبار


المتواجدون الآن


تغذيات RSS

الأخبار
سيرة
تابع السيرة النبوية
تابع السيرة النبوية
03-18-2008 07:28 AM
تابع السيرة النبوية

(59)

ما هذا لكم برأي ، والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره وراء الباب الذي أغلقتموه دونه إلى أصحابه فَلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينزعزه من أيديكم ، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم ما هذا لكم برأي فانظروا غيره، فتشاوَرُوا ، ثم قال بعضهم : نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا ، فإذا خرج عنا فوالله لا نبالي أين ذهب .
قال الشيخ النجدي : والله ما هذا لكم بالرأي ، ألم تروا حسن حديثه ، وحلاوة منطقه ، وغلبته على عقول الرجال بما يأتي به ، دَبّروا فيه أمراً غير هذا .
فقال أبو جهل : والله إن لي فيه رأياً ما أراكم وقعتم فيه أبداً 0 قالوا : وما هو يا أبا الحكم ؟ قال : أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتىً شاباً نسيباً(1) وسيطاً(2) فينا ، فيقتلوه فنستريح منه 0 ويتفرّق دمه في القبائل فلا يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً ، فيرفضون منّا بالعقل(3) فنعقله له أي ندفع ديته لهم ، وهنا قال الشيخ النجدي ( إبليس) : هذا الرأي لا أرى غيره ، فأجمعوا عليه ونفّذوا خطتهم ، وقد أوحى تعالى بذلك إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، فأمر صلى الله عليه وسلم ابن عمه عليّاً بأن ينام على فراشه ويتغطّى ببرده صلى الله عليه وسلم ، وأعلمه أنه لا يناله ما يكره إن شاء الله تعالى ، ثم أخذ صلى الله عليه وسلم حفنة من تراب وخرج وهو يقرأ : ( يس {1} وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ {2} إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ {3} عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ {4} تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ {5} لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ {6} لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ {7} إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ {8} وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ {9}) (4) فأعمى الله أبصارهم ، فخرج من بين أيديهم ووضع التراب على رؤوسهم وهم لا يشعرون، وانصرف صلى الله عليه وسلم حيث أراد ، وبعد ساعة أتاهم آتٍ فقال لهم : ما تنتظرون هاهنا ؟ قالوا : محمد 0 فقال خيَّبكم الله قد والله خرج عليكم ، ثم ما ترك رجلاً منكم إلا وضع الترب على رأسه ، وانطلق لحاجته ، فوضع كل واحد منهم يده على رأسه فإذا التراب عليه ، فجعلوا يتطلعون من خلال شقوق الباب فيرون عليِّاً على الفراش متغطياً ببرد النبيّ صلى الله عليه وسلم فيقولون والله إن هذا لمحمد نائماً عليه برده ، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا ، فقام علي رضي الله عنه عن الفراش فلما رأوه قالوا .
والله لقد صدقنا الذي كان حدثنا وانصرفوا . (5)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ذو نسب شريف .
(2) شريفاً .
(3) بالدية .
(4) سورة يـس آية : 1- 9
(5) ( هذا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم يا محب )( ص156- 158) لأبي بكر جابر الجزائري 0













(60)


* بـــداية الهجرة – من الدار إلى الغار :

غادر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته في ليلة 27 من شهر صفر سنة 14 من النبوة الموافق 12/9/622م .
وأتى إلى دار رفيقه – وأمن الناس عليه في صحبته وماله – أبي بكر الصديق – رضي الله عنه .
غادر منزل الأخير من باب خلفي ، ليخرجا من مكة على عجل ، وقبل أن يطلع الفجر .
ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن قريشاً ستجد في الطلب ، وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسي المتجه شمالاً ، فقد سلك الطريق الذي يضاده تماماً ، وهو الطريق الواقع جنوب مكة ، والمتجه نحو اليمن .
سلك هذا الطريق نحو خمسة أميال ، حتى بلغ إلى جبل يُعرف بجبل ثور ، وهذا جبل شامخ ، وعر الطريق ، صعب المرتقى ، ذا أحجار كثيرة ، فحفيت قدما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل كان يمشي في الطريق على أطراف قدميه كيى يخفى أثره فخفيت أقدماه ، وأيا ما كان ؛ فقد حمله أبو بكر حين بلغ إلى الجبل ، وطفق يشتد به حتى انتهى به إلى غار في قمة الجبل ، وعرف في التاريخ بغار ثور .(1)
ولما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر : والله لا تدخله حتى أدخله قبلك ، فإن كان فيه شيء أصابني دونك ، فدخله فكسحه ، ووجد في جانبه ثقباً فشق إزاره وسدها به ، وبقى منها اثنان فألقمهما رجليه ، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ادخل 0 فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووضع رأسه في حجره ونام ، فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر ، ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسقطت دموعه على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : مالك يا أبا بكر ؟ قال : لدغت ، فداك أبي وأمي ، فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذهب ما يجده .(2)
وقمنا في الغار ثلاث ليال ، ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد (3) وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت عندهما 0
قالت عائشة : وهو غلام شاب ثقف لقن ، فيدلج من عندهما بسحر ، فيصبح مع قريش بمكة كبائت ، فلا يسمع أمراً يكتادان به إلا وعاه ، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام 0 وكان يرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم ، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العِشاء ، فيبيتان في رسل – وهو لبن منحيتهما ورغيفهما حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس ، يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث .(4)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر ( رحمة العالمين )(1/95) ،(مختصر السيرة)(ص167) للشيخ عبد الله النجدي . (الرحيق المختوم)(ص194) للمباركفوري .
(2)رواه رزين عن مر بن الخطاب رضي الله عنه ، وفيه ثم انتقض عليه ( أي رجع السم حين موته ) وكان سبب موته . انظر(مشكاة المصابيح)(6034)(16) تحقيق الألباني .
(3) انظر (فتح الباري شرح صحيح البخاري ) لابن حجر العسقلاني (7/336)
(4) ( صحيح البخاري)(1/553،554)





(61)

وكان عامر بن فهيرة يتبع بغنمه أثر عبد الله بن أبي بكر بعد ذهابه إلى مكة ليعفى عليه .(1)
أما قريش فقد جن جنونها حينما تأكد ليها إفلات رسول الله صلى الله عليه وسلم صباح ليلة تنفيذ المؤامرة 0 فأول ما فعلوه بهذا الصدد أنهم ضربوا علياً ، وسحبوه إلى الكعبة ، وحبسوه ساعة ، علهم يظفرون بخبرهما .(2)
ولما لم يحصلو من عليِّ على جدوى جاءوا إلى بيت أبي بكر ، وقرعوا بابه ، فخرجت إليهم أسماء بنت أبي بكر ، فقالوا لها : أين أبوك ؟ قالت : لا أدري والله أين أبي ؟ فرفع أبو جهل يده – وكان فاحشاً خبيثاً – فلطم خدها لطمة طرح منها قرطها)(3)
وقررت قريش استخدام جميع الوسائل التي يمكن القبض عليهما ، وحينئذ جدت الفرسان والمشاة وقصاص الأثر في الطلب ، وانشروا في الجبال والوديان ،و الوهاد والهضاب ، لكن من دون جدوى وبغير عائد .
وقد وصل المطاردون إلى باب الغار ، ولكن الله غالب على أمره ، روى البخاري عن أنس عن أبي بكر قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار فرفعت رأسي ، فإذا أنا بأقدام القوم ، فقلت : يا نبي الله لو أ، بعضهم طأطأ بصره رآنا .
قال : ( اسكت يا أبا بكر ، اثنان الله ثالثهما )، وفي لفظ : ( ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما . ) (4)
وقد كانت معجزة أكرم الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم ، فقد رجع المطاردون حين لم يبق بينه وبينهم إلاخطوات معدودة. (5)
في الطريق إلى المدينة :

حين خمدت نار الطلب ، وتوقفت أعمال دوريات التفتيش ، وهدأـ ثائرات قريش بعد استمرار المطاردة الحثيثة ثلاث أيام بدون جدوى ، تهيأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه للخروج إلى المدينة 0
وكان قد استأجر عبد الله بن أريط الليثي ، وكان هادياً خريتا – ماهراً بالطريق – وكان على دين كفار قريش ، وأمناه على ذلك ، وسلما إليه راحلتيهما ، ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليالل براحلتيهما ، فلما كانت ليلة الأثنين – غرة ربيع الأول سنة 1هـ الموافق 16 /9/622م – جاءهما عبد الله ابن أريقط بالراحلتين وحينئذ قال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم : بأبي أنت يا رسول الله ، خذ إحدى راحلتي هاتين ، وقرب إليه أفضلهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بالثمن 0 وأتتهما أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما بسفرتهما ، ونسيت أن تجعل لها عصاما ، فلما ارتحل ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس لها عصام ، فشقت نطاقها اثنين ، فعلقت السفرة بواحد ، وانتطقت بالآخر، فسميت ذات النطاقين ، ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه ، وارتحل معهما عامر بن فهيرة ، وأخذ بهم الدليل – عبد الله بن أريقط – على طريق السواحل 0 وأول ما سلك بهم بعد الخروج من الغار أنه أمعن في اتجاه الجنوب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) (السيرةالنبوية ) (1/486) لابن هشام 0
(2)(رحمة العالمين )(1/ص 96)
(3) (السيرة النبوية )(1/487) لابن هشام 0
(4) (صحيح البخاري)(1/516،558) 0
(5) انظر (الرحيق المختوم)(ص195-196) للمباركفوري 0





(62)


نحو اليمن ، ثم اتجه غرباً نحو الساحل ، حتى إذا وصل إلى الطريق لم يألفه الناس اتجه شمالاً على مقربة من شاطىء البحر الأحمر ، وسلك طريقاً لم يكن يسلكه أحد إلا نادراً .
(1) - روى البخاري عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : أسرينا ليلتنا ومن الغد حتى قام قائم الظهيرة ،و خلا الطريق ، لا يمر فيه احد ، فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليها الشمس ، فنزلنا عنده ، وسويت للنبي صلى الله عليه وسلم مكاناً بيدي ، ينام عليه ، وبسطت عليه فروة ، وقلت : نم يا رسول الله ، وأنا أنفض لك ما حولك ، فنام ، وخرجت انفض ما حوله ، فإذا أنا براعٍ مقبل بغنمه إلى الصخرة ، يريد منها مثل الذي أردنا ، فقلت له : لمن أنت يا غلام ؟ فقال : لرجل من أهل المدينة أو مكة 0 قلت : أفي غنمك لبن ؟ قال : نعم 0 قلت : أفتحلب ؟ قال نعم 0 فأخذ شاة ، فقلت : انفض الضرع من التراب والشعر والقذى 0 فحلب في كعب كثبة من لبن ، ومعي إداوة حملتها للنبي صلى الله عليه وسلم ، يرتوي منها ، ويشرب ويتوضأ ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فكرهت أن أوقظه ، فوافقته حين استيقظ ، فصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفله ، فقلت : أشرب يا رسول الله فشرب حتى رضيت ، ثم قال : ألم يحن الرحيل ؟ قلت : بلى ، قال : فرتحلنا .(1)
(2) - كان من دأب أبي بكر رضي الله عنه أنه كان ردفا للنبي صلى الله عليه وسلم ، وكان شيخاً يُعرف ، ونبي الله صلى الله عليه وسلم شاب لا يُعرف ، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول : من هذا الرجل الذي بين يديك ؟ فيقول : هذا الرجل يهديني الطريق ، فيحسب الحاسب أنه يعني به الطريق ، وإنما يعني سبيل الخير .(2)
(3) وتبعهما في الطريق سراقة بن مالك .
قال سراقة : بينما أنا جالس في مجلس قومي بني مدلج ، أقبل رجل منهم حتى قام علينا ، ونحن جلوس ، فقال : يا سراقة ، إني رأيت آنفاً سودة بالساحل ، أراها محمد وأصحابه 0 قال شراقة : فعرفت أنهم هم . فقلت له : إنهم ليسوا بهم ، ولكنك رأيت فلاناً وفلاناً انطلقوا بأعيننا ، ثم لبثت في المجلس ساعة ، ثم قمت فدخلت ، فأمرت جاريتي أن تخرج فرسي ، وهي من وراء أكمة ، فتحبسها علي ، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت ، فخططت بزجه الأرض ، وخفضت عليه ، حتى أتيت فرسي فخررت عنها ، فقمت، فأهويت يدي إلى كنانتي ، فاستخرجت منها الأزلام ، فاستقسمت بها ، أضرهم أم لا ؟ فخرج الذي أكره ، فركبت فرسي وعصيت الأولام ، تقرب بي ، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت ، وأبو بكر يكثر الالتفات – ساخت يدا فرسي في الأرض ، حتى بلغتا الركبتين ، فخررت عنها ، ثم زجرتها فنهضت ، فلم تكد تخرج يديها ، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان ، فاستقسمت الأزلام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الرحيق المختوم(ص194- 198) للمباركفوري ، (السيرة النبوية )(1/491-492) لابن هشام .
(2) رواه البخاري عن أنس (1/556)









(63)

، فخرج الذي أكره ، فناديتهم بالأمان ، فوقفوا ، فركبت فرسي حتى جئتهم ، ووقع في نفسي حيث لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت له : إن قومك قد جعلوا فيك الدية ، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم ، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآمي ، ولم يسألاني إلا أن قال : أخف عنا ، فسألته أن يكتب لي كتاب أمن ، فأمر عامر بن فهيرة ، فكتب لي في رقعة من أدم ، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم .(1) وكان الكتابُ معه إلى يوم الفتح مكة فجاءه بالكتاب ، فوفَّاه له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : يوم وفاءٍ وبٍّر ، وعرض عليهما الزاد والحِملان ، فقالا : لا حاجة لنا به ، ولكن عمِّ عنا الطلب ، فقال : كُفيتم ، ورجع فوجَدَ الناس في الطلب ، فجعل يقول : قد استبرأتُ لكم الخير ، وقد كفيتم ما هاهنا ، وكان أول النار جاهداً عليهما ، وآخره حاراً لهما .(2)
(4) - ومر في مسيرة ذلك حتى مر بخيمتي أم معبد الخزاعية ، وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء الخيمة ، ثم تطعم وتسقي من مر بها ، فسألاها : هل عندك شيء ؟ فقالت : والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى والشاء عازب (3) ، وكانت سنة شهباء 0فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشاة في كسر الخيمة ، فقال : ما هذه الشاة يا أم معبد ؟ قالت : شاة خلفها الجهد عن الغنم ، فقال : هل بها من لبن ؟ قالت : هي أجهد من ذلك 0 فقال : أتأذنين لي أن أحلبها ؟ قالت : نعم بأبي وأمي ، إن رأيت بها حلبا فاحلبها 0 فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ضرعها ، وسمى الله ودعا ، فتفاجت عليه ودرت ، فدعا بإناء لها يربض الرهط (4) ، فحلب فيه حتى علته الرغوة ، فسقاها حتى رويت ، وسقى أصحابه حتى رووا ، ثم شرب ، وحلب فيه ثانياً ، حتى ملأ الإناء ، ثم غادروا فارتحلوا 0
فما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن (5)هُزالاً ، فلما رأى اللبن عجب ، فقال : من أين لك هذا ؟ والشاة عازب ، ولا حلوبة في البيت ؟ فقالت : لا والله أنه مر بنا رجل مبارك كان حديثه كيت وكيت ، ومن حاله كذا وكذا ، قال : إني والله أراه صاحب قريش الذي تطلبه ، ففيه لي يا أم معبد ، فوصفته بصفاته الرائعة بكلام رائع كالسامع ينظر إليه وهو أمامه قالت : ظاهِرُ الَوضاءة ، أبلجُ الوجه (6)، حَسَنُ الخَلْقِ ، لم تعبه ثُجْلَة(7) ، ولم تُزْر به صُعْلَة (8)، وسيم قَسِيم (9)، في عَيْنَيْهِ دَعَجٌ(10)، وفي أشْفَارهِ وطفٌ (11)، وفي صوته صَحَل ،وفي عُنُقِهِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه البخاري(7/186/188) ، والحاكم(3/6 ، 7) من حديث سراقة ، وأخرج بعضه مسلم(2009) من حديث البراء ، وأخرجه البخاري(7/196) ، وأحمد(3/212) من حديث أنس 0 انظر (الرحيق المختوم)(ص199) للمباركفوري .
(2) انظر (زاد المعاد في هدي خير العباد)(3/54) لابن القيم الجوزية .
(3) الشاء عازب : بعيدة عن المرعى .
(4) يربض الرهط : يرويهم ويثقلهم حتى يناموا ويمتدوا على الأرض من ربض المكان .
(5) يتساوكن : يتمايلن من شدة ضعفهن .
(6) أبلج الوجه : مشرقه ومسفره .
(7) الثُّجلة : ضخامة البطن .
(8) الصعلة : صغر الرأس .
(9) الوسيم والقسيم : الحسن.
(10) الدعج : سواد العينين .
(11) وفي أشفاره وطف : أي في شعر أجفانه طول .



(64)


سَطَعٌ ، أحورُ ، أكحل ، أزجُّ ، أقرنُ ، شديدُ سواد الشعر، إذا صمت علاه الوقارُ ، وإن تكلم ، علاه البهاءُ ، أجملُ الناس وأبهاهُم مِن بعيد ، وأحسنهُ وأحلاه من قريب
حَلْوُ المنطق ، فصلٌ ، لا نَزْر ولا هَذْر ، كأنَّ منطقه خرزاتُ نظْمٍ يَتَحَدَّرْنَ ، ربعةٌ ، لا تقحمُه عينٌ مِن قصر ، ولا تشنوْ مِن طول ، غصنٌ بين غُصنين ، فهو أنضرُ الثلاثة منظراً ، وأحسنهم قدْرَاً ، له رفقاء يحفُّون به ، إذا قال : استمعوا لقوله ، وإذا أمر ، تبادروا إلى أمره ، محفودٌ(1) محشودٌ(2) لا عابس ولا مُفْنِدٌ ، (3)
فقال أبو معبد : واللهِ هذا صاحب قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا ، لقد هممتُ أن أصحبَه ، ولأفعلنَّ إن وجدت إلى ذلك سبيلا ، وأصبح صوت بمكة علياً يسمعونه ولا يرونه القائل :

جَزَى اللهُ ربُّ العَرْشِ خَيْرجَزائِهِ رَفِيقَيْنِ حَلاَّ خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبــَدِ
هُمَا نَزلاَ بالبرِّ وارْتَحَلا بــــــه وَأَفْلَحَ مَنْ أمْسَــى رَفِيقَ مُحَمَّــدِ
فَيَا لَقُصَيٍّ مَا زَوَى اللهُ عَنْكُــــمُ بِهِ مِنْ فَعَالٍ لا يُجَازَي وَسودَدِ
لِيَهْن بَني كَعْبٍ مـَكـانُ فَتَاتِــــهمْ وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤمنِينَ بِمَرْصــــــَدِ
سَلُوا أُخْتَكـمْ عَـنْ شَاتِـهَا وإنَائِهَا فَإنَّكـُمُ إنْ تَسْــألوا الشَّــاءَ تّشهَدِ(4)

قالت أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها - : ما دَرَيْنَا أين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة ، فأنشد هذه الأبيات ، والنَّاس يتَّبعونه ويسمعونَ صوته ، ولا يرونه حتى خرج من أعلاها ، قالت : فلما سّمِعْنَا قوله ، عرفنا حيثُ توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن وجههُ إلى المدينة .(5)

قالت أسماء – رضي الله عنها : لما خرج أبو بكر مهاجراً أخذ كل ماله معه ، وكان ستة آلاف درهم 0
قالت : فدخل علينا جَدّي أبو قاحفة ، وكان قد ذهب بصره ، فقال إني
أراه قد فجعكم بماله مع نفسه ، قالت : قلت له كلاَّ يا أبت إنه ترك لنا خيراً كثيراً ، وأخذت أحجاراً فوضعتها في كوّة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها ثم وضعت عليها ثوباً ، ثم أخذت بيده وضعتها عليها ، وقلت يا أبت هذا المال الذي ترك لنا أبو بكر .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المحفود : الذي يخدمه أصحابه ويعظمونه ويسرعون في طاعته.
(2) المحشود : هو الذي يجتمع إليه الناس .
(3) لا عابس ولا منفد : بكسر النون هو الذي يكثر لومه .
(4) قال شعيب الأرنؤوط : في تحقيقه (زاد المعاد)(3/56) حديث حسن ، أخرجه الحاكم(3/9،10) من حديث هشام بن حبيش ، وأورده الهيثمي في (مجمع الزوائد)(6/58) ، ونسبه للطبراني وقال : وفي إسناده جماعة لم أعرفهم ، وله شاهدان آخران من حديث جابر وأبي معبد الخزاعي ، ذكرهما الحافظ ابن كثير في ( البداية والنهاية ) (3/192،194) ، وأخرجه ابن سعد في (الطبقات)(1/230 ،231) 0ويروى أن حسّان بن ثابت لما بلغه شعر الجني وما هتف به في مكة قال أبياتاً ، مطلعها:
لقد خاب قوم غاب عنهم نبيهُمُ وقد سر من يسري إليهم ويغتدى
(5) انظر (زاد المعاد )(3/57-58) لابن القيم الجوزية . (الرحيق المختوم)(ص201) للمباركفوري .







(65)
فقال : إن كان ترك لكم هذا فقد أحسن ، وفي هذا بلاغ (1) لكم 0 قالت أسماء بعد ذلك : والله ما ترك لنا شيئاً ، وإنما أردت أن أسكن الشيخ بذلك لا غير0
(5) وفي الطريق لقى النبي صلى الله عليه وسلم أبا بريدة ، وكان رئيس قومه ، خرج في
طلب النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ؛ رجاء أن يفوز بالمكافأة الكبيرة التي كان قد أعلن عنها قريش ، ولما واجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه أسلم مكانه مع سبعين رجلا من قومه ، ثم نزع عمامته ، عقدها برمحه ، فاتخذها راية تعلن بأن ملك الأمن والسلام قد جاء ليملأ الدنيا عدلا وقسطاً .(2)
(6) وفي الطريق لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير ، وهو في ركب المسلمين ، كانوا تجاراً قاقلين من الشام ، فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياباً بيضاء)(3)

نتائــج وعبــر :
إن لهذه المقطوعة من السيرة العطرة نتائج وعبراً نجملها فيما يلي :
(1) بيان خبث أبي جهل وشدته على المؤمنين فلعنه الله حياً وميتاً0
(2) بيان مدى ما بذلت قريش في سبيل قتل النبي صلى الله عليه وسلم ، والقضاء على الإسلام .
(3) من الجن مؤمنون ، وإن كلامهم ليسمع ، ووإن لم تر ذواتهم 0
(4) فضل أم معبد وهي عاتكة بن خالد 0
(5) تجليّ آية النبوة المحمدية في ذرّ الشاة وسقي الرسول صلى الله عليه وسلم ، أهل بيت أم معبد وسائر أفراد رفقته .
(6) تجليّ آية النبوة في سقوط سراقة وعجزه عن الوصول إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وفي إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم له بأنه سيسور سوارى كسرى ، وكان الأمر كما أخبر صلى الله عليه وسلم .(4)

أسئلة :

س1- متى كانت بداية الهجرة النبي صلى الله عليه وسلم ؟
س2- ما اسم الغار الذي تخفى فيه النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه ؟
س4- من صاحب النبي صلى الله عليه وسلم في الغار ؟
س5- كم كان عدد الليالي التي اختفى فيها النبي صلى الله عليه وسلم ؟
س6- من الرجل الذي كان دليلاً للنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه ؟
س7- ما وظيفة عامر بن فهيرة ؟
س8- لهذه المقطوعة من السيرة العطرة نتائج وعِبر اذكري ثلاث منها ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البلاغ : ما يتبلغ به في الحياة من مال أو طعام ونحوه .
(2) انظر (رحمة العالمين)(1/101) ، (الرحيق المختوم)(201) للمباركفوري .
(3) (الرحيق المختوم) للمباركفوري .
(4)( هذا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم يا محب)(ص164) لأبي بكر جابر الجزائري .



(66)


النزول بــقباء :
وفي يوم الإثنين 8 ربيع الأول سنة 14 من النبوة – وهي السنة الأولى من الهجرة – الموافق 23/9/622م نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء.
قال عروة بن الزبير: سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة ، فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة ، فانقلبوا يوماً بعد أطالوا انتظارهم ، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه ، فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب ، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته يا معشر العرب ، هذا جدكم الذي تنتظرون ، فبادرالأنصار(1) بالسلاح ليتلقَّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسُمِعتِ الرَّجةُ والتَّكبيرُ في بني عمرو بن عوف ، وكبَّر المسلمون فرحاً بقُدومه ، وخرجوا للقائه ، فتلقَّوه وحيَّوه بتحية النبوة ، فأحدقوا به مطيفين حوله ، والسكينة تغشاه ، والوحي ينزل عليه ( فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ {4} ) (2) فسار حتى نزل بقُباء في بني عمرو بن عوف ، فنزل على كُلْثُوم بْنِ الهدْمِ (3) فأقام في بني عمرو أربع عشرةَ ليلةً وأسَّسَ مسجِدَ قُباء ، وهو أول مسجد ، أُسِّسَ بَعد البنوة0(4) وقد ذكره الله جل وعلا في كتابه وأثنى على أهله خيراً ؛ قال تعالى : ?لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ {108} ) (5) ومكث علي بن ابي طالب بمكة ثلاثاً ، حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس ، ثم هاجر ماشياً على قدميه ـ، حتى لحقهما بقباء ، ونزل على كلثوم بن الهدم قِبل بيته : وقد تفطرت قدماه رضي الله عنه حتى دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل إنه لا يقد على المشي فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتنقه وبكى رحمةً به ، وتفل في كفيه الطاهرتين ومسح بهما رجلي عليّ فشُفيَ في الحال ، ولم يشك قدميه حتى قُتِل رضي الله عنه - ، وقد نزل علي على امرأة لا زوج لها فرأى رجلاً يأتيها بالليل فارتاب في أمرها فسألها فقالت الذي يأتيني هو سهل بن حنيف إنه رآني امرأة لا زوج لي فهو يكسر أصنام قومه ويحملها إلي ويقول احتطبي بها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه ابن سعد في (الطبقات)(1/233) ، وأخرجه البخاري بنحوه(7/189، 190) من طريق ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير 00 قال الحافظ : وصورته مرسل ، لكن وصله الحاكم(3/11) أيضاً من طريق معمر عن الزهري قال : أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع الزبير ، وأخرجه ابن هشام في (السيرة النبوية)(1/492) من حديث ابن إسحاق : حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عبد الرحمن بن عويمر بن ساعدة قال : حدثني رجال من قومي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم به ، وقوله : ( مبييضين ) أي : عليهم الثياب البيض ، وقوله : هذا جدكم : أي : حظكم وصاحب دولتكم الذي تتوقعونه ، وفي رواية معمر: هذا صاحبكم 0
انظر: ( زاد المعاد)(3/58)(السيرة النبوية)(1/492) ، (الرحيق المختوم)(ص202)
(2) سورة التحريم آية : 4
(3) (هذا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم يا محب)(ص164) لأبي بكر جابر الجزائري – حفظه الله تعالى -
(4)( الرحيق المختوم)(ص202) ، (زاد المعاد)(3/58)( السيرة النبوية)(1/491) ،(هذا الحبيب يا محب)(ص163)0
(5) سورة التوبة آية 108
(6) ذكر ابن هشام في (السيرة )(1/493) الروايتين الأولى هذه والثانية – على سعد بن خيثمة – ولم يرجح شيء منها – لكن رجّحَ الرواية الأولى ابن القيم – رحمه الله – في (زاد المعاد)(3/58) حيث قال : والأول أثبت 0


(67)

فكان يذكر عليّ هذا لسهل بن حنيف بعد موته رضي الله عنهم أجمعين .(1) وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء أربعة أيام : الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس .(2) وهنا بقباء أتى سلمان الفارسي الذب طالما انتظر مجيئه جاءه من المدينة بكيس من التمر وقال هذا صدقة تصدقت بها عليكم – وهو يريد بذلك اختباره – فقال الحبيب صلى الله عليه وسلم: ) لا نأكل الصدقة ( (3) وأمره أن يتصدق بها على غيره ، وانصرف سليمان وعاد في اليوم الثاني معه تمر آخر وقدمه للرسول صلى الله عليه وسلم ، وقال : هذه هدية قدمتها لك ، فقبلها صلى الله عليه وسلم ودعا له بخير .
وهنا أعلن سلمان إسلامه ، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله . وسبب عمل سلمان هذا أن علم من الكتب السابقة أن النبيّ محمداً صلى الله عليه وسلم من نعوته وصفاته أنه يقبل الهدية ولا يأكل الصدقة . ولما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كتب الله له من أيام في قباء بديار بني عمرو ابن عوف سار إلى المدينة وفي طريقه أدركته صلاة الظهر بديار بن سالم بن عوف وكان اليوم يوم جمعة فصلى بهم الجمعة وخطبهم في مسجدهم ببطن الوادي (دانونا) فكانت أول جمعة صليت في الإسلام (4) ؛ وركب الحبيب صلى الله عليه وسلم راحلته فأتاه عُتبان بن مالك وعباس بن عبادة في رجال من بني سالم وقالوا : يا رسول الله أقم عندنا حيث العدد والعدة والمنعة ، وهم ممسكون بخطام الناقة لِينُيخوها فقال لهم )دعوها فإنها مأمورة ) وواصل سيره إلى طيبة طابت مغانيها ، وسلام على ساكنيها0
نتائج وعبر :
إن لهذه المقطوعة من السيرة العطرة نتائج وعبر نوجزها في الآتي :
(1) بيان أن مسجد قباء كان أول مسجد بُنيَ في الإسلام .
(2) بيان كيفية معرفة سلمان للنبي صلى الله عليه وسلم وذلك بما أجرى من اختبار عليه بالصدقة والهدية لعلمه السابق أن من صفات نبيّ آخر الزمان أنه يقبل الهدية ولا يأكل الصدقة .
(3) بيان أول جمعة صليت في الإسلام هي تلك التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد بني سالم بن عوف ببطن وادي ( دانونا) .
(4) عرض بني سالم على النبيّ صلى الله عليه وسلم الإقامة بينهم وترغيبه في ذلك وذكرهم لكثرة رجالهم وسلاحهم ومنعتهم الحربية يُعتبر موقفاً مشرفاً خالداً له رضي الله عنهم وأرضاهم .
أسئلة :
س1- متى نزل الرسول صلى الله عليه وسلم قباء ؟
س2- عند نزوله صلى الله عليه وسلم قباء نزلت آيتين أولى : تثبت الولاء لله ولرسوله والمؤمنين
الثانية : تذكر المسلمين بأنهم يحبون الطهارة . اذكر الآيتين الكرمتين ؟
س3- لماذا تأخر علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن الهجرة بمكة ثللاثة أيام ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ( السيرة النبوية )(1/493) لابن هشام ،( هذا الحبيب صلى الله عليه وسلم يا محب )(ص164) لأبي بكر جابر الجزائري – حفظه الله تعالى .
(2) انظر (زاد المعاد)(3/58)
(3) البخاري ومسلم – انظر ( الفقه المختصر )(ص98
(4)( هذا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم يا محب )(ص167-168 )




(68)

الدخول في المدينة :

وبعد الجمعة دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة – ومن ذلك اليوم سميت بلدة يثرب بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكان يوماً تاريخياً أغر ، فقد كانت البيوت والسكك ترتج بأصوات التحميد والتقديس ، وكانت الأنصار تتغنى فرحاً بقدومه عليه السلام . (1) ثم رَكِبَ صلى الله عليه وسلم ، فأخذوا بخِطام راحلته ، هَلُمَّ إلى العدد والعُدَّة والسلاح والمنعة ، فقال : ) خَلَّوا سَبِيلَهَا ، فإنها مأمورةٌ ) فلم تزل ناقته سائرة به لا تمرُّ بدارٍ من دُور الأنصار إلا رغِبوا إليه في النزول عليهم ، ويقول : ( دَعُوهَا فإنَّها مأمورَةٌ ) فصارت حتى وصلت إلى موضع مسجده اليومَ ، وبركت ، ولم ينزل عنها حتى نَهَضَتْ وسَاراتْ قليلاً ، ثم التفت ، فرجعت ، فبركت في موضعها الأول ، فنزل عنها ، وذلك في بني النجار أخوالِهِ صلى الله عليه وسلم (2) 0 قال البراءُ : أوَّلُ مَن قَدِمَ عَلَيْنَا مِن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مُصْعَبُ ابنُ عُمير وابن أم مكتومٍ ، فجعلا يُقْرئانِ النَّاس القرآن ، ثم جاء عمارٌ وبلالٌ وسعدٌ ، ثم جاء عمرُ بنُ الخطَّاب رضي الله عنه في عشرين راكباً ، ثُمَّ جاء رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فما رأيتُ النَّاسَ فَرِحُوا بشء كَفَرحهمُ بَهِ حتى رَأيتُ النَّساء والصِّبيان والإماءَ يقولونَ : هذا رسُولُ الله قدْ جاءَ (3)
وقال أنس : شهدته يومَ دخلَ المدينة فما رأيتُ يوماً قطُّ ، كان أحسنَ ولا أضوأ مِن دخلَ المدينة علينا ، وشهدتُه يومَ ماتَ ، فما رأيتُ يوماً قطُّ ، كان أقبحَ ولا أظلم مِن يومِ مات 0(4) وكان توفيق الله لها ، فإنه أحبَّ أن ينزل على أخواله ، ويكرمهم بذلك ، فجعل الناس يُكلِّمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في النزول عليهم ، وبادر أبو أيوب الأنصاري إلى رحله ، فأدخله بيته ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الَمْرءُ مَعَ رَحْلِهِ ) وجاء سعد بن زرارة ، فأخذ بزمام راحلته ، وكانت عنده .(5)
ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسفل من الدار ، وأبو أيوب وأم أيوب بالعلوي فآلم ذلك أيوب ، فقال يا رسول الله إني أكره أن أكون فوقك وتكون تحتي ، فاظهر أنت فكن في العلوي وننزل نحن فنكون في السفل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا أيوب إن أرفق بنا وبمن يغشانا ان أكون في أسفل البيت ( وطابت نفس أبي أيوب رضي الله عنه . وكان أبو أيوب يصنع الطعام فإذا أكل منه صلى الله عليه وسلم وتركه أُخذ وقُدم لأبي أيوب ليأكل منه ، فكان رضي الله عنه يسأل عن موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتتبع موضع أصابعه فيأكل منه رجاء البركة . فصنع له يوماً طعاماً فيه ثوم ، فلما رُدَّ إليه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لم نورد قصيدة ( طلع البدر علينا ) وذلك لعدم ورودها في (كُتُب صحيح السيرة ) لذلك علماء السير لم يوردها كإبن هشام وما أكثر القصائد التي أوردها – وأشار ابن القيم على وهم في ثبوتها في الزمان والمكان ، وما ذكر المباركفوري في حاشية كتابه – بعيداً جداً عن منهج المحدثين فلا تغتر بما نقله عن العلاَّمة المنصور فوري 0 والخبر في نشيدة (طلع البدر علينا من ثنيات الوداع ) أعله الحافظ العراقي في الإحياء وانظر ( سلسلة الأحاديث الضعيفة وأثرها السيء في الأمة)(2/63)(598) للألباني 0 لزاماً .
(2) اتظر (زاد المعاد في هدي خير العباد)( 3/58).
(3) أخرجه البخاري(7/203،204) في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : باب مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وفي تفسير( سبح اسم ربك الأعلى) ، والطياليسي(2/94) .
(4) أخرجه أحمد(3/122) والدارمي (1/41) 0 قال شعيب الأرنؤوط على حاشية( زاد المعاد)(3/61) : وإسناده حسن 0
(5) انظر ( صحيح مسلم )(3/1623)(171) والبخاري(7/196و197) و(الطبقات)(1/237) و(مجمع الزوائد)(6/63) ، (البداية والنهاية )(2/159)(السيرة النبوية)(1/495)




(69)

سأل عن موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقِيلَ له لم يأكل ففزع وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أحرامٌ ؟ فقال : ) لا ولكني أكره ذلك ( وهذا لأنه صلى الله عليه وسلم يناجي المَلَك ، وغيره لا يناجي .
بناء المسجد النبوي الشريف 0
بَرَكت ناقة النبي سأل عن موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقِيلَ له لم يأكل ففزع وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أحرامٌ ؟ فقال : ) لا ولكني أكره ذلك ( وهذا لأنه صلى الله عليه وسلم يناجي المَلَك ، وغيره لا يناجي .
مَوْضِعَ مسجده وهو يومئذ يُصليِّ فيه رجالٌ من المسلمين ، وكان مِرْبَداً لِسَهْلٍ وَسُهَيْلِ غلامين يتيمين من الأنصار ، كان في حَجِرْ أسعد بن زُرارة ، فساوم رسولُ الله سأل عن موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقِيلَ له لم يأكل ففزع وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أحرامٌ ؟ فقال : ) لا ولكني أكره ذلك ( وهذا لأنه صلى الله عليه وسلم يناجي المَلَك ، وغيره لا يناجي .
الغلامينِ بالمربَدِ ، ليتخذهُ مسجداً ، فقالا : بل نَهَبُهُ لك يا رسولَ الله ، فأبى رسول الله سأل عن موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقِيلَ له لم يأكل ففزع وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أحرامٌ ؟ فقال : ) لا ولكني أكره ذلك ( وهذا لأنه صلى الله عليه وسلم يناجي المَلَك ، وغيره لا يناجي .
، فابتاعَهُ بِعشرة دنانير ، وكان جداراً ليس له سقف ، وقبلتهُ إلى بيت المقدس ، وكان يُصلي فِيهِ ويُجَمِّعُ أسعد بن زرارة قبل مقْدَم رسول الله سأل عن موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقِيلَ له لم يأكل ففزع وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أحرامٌ ؟ فقال : ) لا ولكني أكره ذلك ( وهذا لأنه صلى الله عليه وسلم يناجي المَلَك ، وغيره لا يناجي .
، وكان فيه شجرةُ غَرْقَدٍ وخِرَبٌ ونخَْلٌ وقبور للمشركينَ ، فأمرَ رسول الله سأل عن موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقِيلَ له لم يأكل ففزع وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أحرامٌ ؟ فقال : ) لا ولكني أكره ذلك ( وهذا لأنه صلى الله عليه وسلم يناجي المَلَك ، وغيره لا يناجي .
بالقبورِ فنُبِشت ، وبالخرب فسوِّيت وبالنَّخلِ والشجرِ فقطِّعت وصفت في قبلةِ المسجد ، وجعَلَ أساسه قريباً من ثلاثة أذرع ، ثم بنوه باللبن ، وجعل رسول الله سأل عن موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقِيلَ له لم يأكل ففزع وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أحرامٌ ؟ فقال : ) لا ولكني أكره ذلك ( وهذا لأنه صلى الله عليه وسلم يناجي المَلَك ، وغيره لا يناجي .













(70)

يبني معهم ، وينقُلُ اللبِنَ والحجارة بنفسه ويقول :
اللهم لا عَيْشَ إلاَّ عَيْشَ الآخرهْ فاغْفِر لِلأنْصَار والمُهَاجِرَه
وكان يقول :
هذا الحِمَالُ لا حِمَلُ خَيْبَر هذا أبـرُّ رَبَّـنا وأطْهَر(1)
وجعلوا يرتَجِزُن ، وهم ينقلونَ اللَّبن ، ويقول بعضهم في رجزه :

لَئِن قَعَدْنَا والرَّسولُ يَعْمــلُ لَذَاك مِنَّا الَعَمَلُ المُصَلَّلُ(2)
وجعل قِبلته إلى بيت المقدس ، وجُعِلَ له ثلاثة أبواب : باباً في مؤخره ، وباباً يقال له : باب الرحمة ، والباب الذ يدخل من رسول الله سأل عن موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقِيلَ له لم يأكل ففزع وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أحرامٌ ؟ فقال : ) لا ولكني أكره ذلك ( وهذا لأنه صلى الله عليه وسلم يناجي المَلَك ، وغيره لا يناجي .
، وجعل عمده الجذوع ، وسَقَفَه بالجريد ، وقيل له : ألا تُسَقِّفه ، فقال : ( لا ، عَريش كعريش موسى) وبنى إلى جنبه بيوت أزواجه باللَّبن ، وسقفها بالجريد والجذوع ، فلما فرغ من البناء بنى بعائشة في البيت الذي بناهُ لها شرقي المسجد قبيله ، وهو مكان حجرته اليوم ، وجعل لسودة بنت زمعة بيتاً آخر0(3)
نتائج وعبر :
(1) بيان عظم فرحة الأنصار بمقدم الرسول سأل عن موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقِيلَ له لم يأكل ففزع وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أحرامٌ ؟ فقال : ) لا ولكني أكره ذلك ( وهذا لأنه صلى الله عليه وسلم يناجي المَلَك ، وغيره لا يناجي .
، وما أبدوه من حفاوة وترحيب لم يسبق لهما نظير في التاريخ البشري 0
(2) بيان آيـــة الناقة في سيرهـا وبروكــها لقوله سأل عن موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقِيلَ له لم يأكل ففزع وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أحرامٌ ؟ فقال : ) لا ولكني أكره ذلك ( وهذا لأنه صلى الله عليه وسلم يناجي المَلَك ، وغيره لا يناجي .
: ( دعوها فإنها مأنورة ) 0
(3) بيان فوز أبي أيوب خالد بن زيد بنزول الرسول سأل عن موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقِيلَ له لم يأكل ففزع وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أحرامٌ ؟ فقال : ) لا ولكني أكره ذلك ( وهذا لأنه صلى الله عليه وسلم يناجي المَلَك ، وغيره لا يناجي
بداره ، وإقامته بها حتى بنى مسجده وحجرات نسائه بإزائه 0
(4) بيان أدب أبي أيوب وكمال حبه لرسول سأل عن موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقِيلَ له لم يأكل ففزع وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أحرامٌ ؟ فقال : ) لا ولكني أكره ذلك ( وهذا لأنه صلى الله عليه وسلم يناجي المَلَك ، وغيره لا يناجي .
إذ لم تطب نفسه أن يسكن في أعلى المنزل والرسول صلى الله عليه وسلم في أسفله .
(5) مشروعية التماس البركة من آثار النبي صلى الله عليه وسلم . إن وجدت كسؤره وشعره وريقه وثيابه ، وما إلى ذلك .
(6) بيان بناء المسجد النبوي الشريف وبناؤه أول عمل قام به النبيّ صلى الله عليه وسلم في المدينة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)أخرجه أخرجه بنحوه البخاري(7/192،193) ، ومسلم (1/438 ،439)(7/207) وانظر ( زاد المعاد)(3/62). تحقيق شعيب الأرنؤوط.(2) المصدر السابق .
(3) (الطبقات )(1/240) لابن سعد .


)71)

جهود الرسول صلى الله عليه وسلم في الإصلاح والتأسيس والبناء
بالمدينة النبوية

إنه ساعة حلوله بالمدينة أخذ صلى الله عليه وسلم على عاتقه مهمة الإصلاح والبناء والتأسيس والبناء للمجتمع المسلم والدولة الإسلامية الوارثة لأكبر دولتين عالميتين وهما دولة الفرس ودولة الروم ، وبتتبع الخطوات التالية تتجلّى هذه الحقيقة وتتأكد بإذن الله تعالى :
الخطوة الأولى :
إن أول خطوة كانت في الإصلاح والبناء بناء المسجد النبوي الشريف والحجرات الطاهرات.
الخطوة الثانية : إستقدام الأسرتين الشريفتين أسرة الحبيب صلى الله عليه وسلم وأسرة الصديق رضي الله عنه .
الخطوة الثالثة :
الاتصال باليهود بواسطة عبد الله بن سلام رضي الله عنه ، ودعوتهم إلى الإسلام 0 إنه نزل صلى الله عليه وسلم بطيبة حتى جاءه عبد الله بن سلام أحد أحبار اليهود بالمدينة ليمتحنه في صدق نبوّته وصحة رسالته الأسئلة التالية :
ما أول أشراط الساعة ؟ ، ما أول طعام يأكله أهل الجنة ؟ ، ما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه ؟
فأجابه الحبيب صلى الله عليه وسلم قائلاً : ( أخبرني بهن جبريل آنفاً ) فقال عبد الله : جبريل ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( نعم ) قال عبد الله : هو عدو اليهود من الملائكة ، وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم يشرح مضمون الأسئلة فقال : ( أما أول أشراط الساعة فنار تخرج على الناس من المشرق تسوقهم إلى المغرب ، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت ، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماءَ المرأة نزع الولد إلى أبيه ، وإذا سبق ماءُ المرأة ماءَ الرجل نزع الولد إلى أمه ) .
وهنا قال عبد الله بن سلام : ( أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أنك رسول الله ) . ثم أصبحت الإتصالات مع اليهود مواتية عن طريق عبد الله بن سلام ، ودعوتهم إلى الإسلام .(1)

الخطوة الرابعة :
وضعه صلى الله عليه وسلم ميثاقاً للمهاجرين والأنصار متضمَّناً موادعة اليهود بالمدينة 0
إن من أبرز الجهود التي بذلها الحبيب صلى الله عليه وسلم في الإصلاح والتأسيس والبناء كتابه الذي كتبه فضمّنه ميثاقاً في غاية الدقة ، وحسن السياسة فألّف بين سكان المدينة من الأنصار والمهاجرين وجيرانهم من طوائف اليهود وربط بينهم فأصبحوا به كتلة واحدة يستطيعون أن يقفوا في وجه كل من يريد أهل المدينة بسوء.
وهذه ديباجة الكتاب المذكور وبعض ما حواه من مودِّ الميثاق الذي اشتمل عليه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)(هذا الحبيب صلى الله عليه وسلم يا محب)(ص175)لأبي بكر جابر الجزائري – حفظه الله – بتصرف .








(72)


بسم الله الرحمن الرحيم


(هذا كتاب محمد النبيّ الأميّ بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس.. ) إلى آخر كتابه المتضمِّن لأعظم ميثاق عرفه الناس .
وهذا بعض ما جاء فيه من مواد في غاية الأهمّيّة .
• إن المؤمنين لا يتركون مُفَرَّجاً (1) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء وعقل 0
• لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه0
• إن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دَسيعة ظُلْم أو إثم أو عداوان ، أو فساد بين المؤمنين ، وإن أيديهم عليه جميعاً ولو كان ولد أحدهم .
• لا يَقْتُلُ مؤمن مؤمناً في كَافر ، ولا ينصر كَافراً على مؤمن ، وإن ذمة الله واحده ، يُجير عليهم أدناهم.
• إن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس ، وإنه مَنْ تبعنا من اليهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متُناصر عليهم .
• إن سِلمَ المؤمنين واحد لا يُسالم مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم .
• من اغتبط مؤمناً قتلاً عن بيّنة فإنه قَوَدٌ به إلا أن يرض ولي لمقتول وإن المؤمنين عليه كافة ، ولا يحل لهم إلا قيام عليه .
• إن اليهود ينقون مع المؤمنين ما داموا محاربين ، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين ، لليهود دينهم ، وللمسلمين دينهم ، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم أو أثِم فإنه لا يوُتعُ(1)
• إن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم ، وإنَّ بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة ، وإن بينهم النصح والنصيحة ، والبرّ دون الإثم ، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفة ، وإن النصر للمظلوم ، وإن الجار كالنفس غير مضارّ ولا آثم 0
• وإنكم مهما اختلفتم في شيء فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم . (2)
الخطوة الخامسة : هي مؤاخاته بين المهاجرين والأنصار 0
إن من الرشد والكمال النبوي ، والنضج السياسي ، والحكمة المحمدية خطوة الحبيب صلى الله عليه وسلم في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في ظرف كان المهاجرون فيه أحوج ما يكونوا إلى ما يخفف عنهم آلام الغربة والفاقة والفرقة إذ تركوا ديارهم وأموالهم وأهليهم ، وحلوا ببلد لم يكن لِيتسِعَ حتى لأهله فضلاً عن النازحين إليه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لا يوتع : لا يوبق ولا يهلك إلا نفسه وأهل بيته .
(2) (هذا الحبيب صلى الله عليه وسلم يا محب )(ص178) .




(73)
وبهذه المؤخاة التي آخى فيها الرسول الحكيم بين المهاجرين والأنصار ، والتي كان الأنصاريّ فيها يقول لأخيه انظر إلى أعجب نسائي إليك أطلقها فإذا أنتهت عدتها تزوّجتها ، بهذه المؤاخاة كان المجتمع المدني قد الْتَحَمَ بعضه ببعض ، وأصبح جسماً واحداً ينهض بكل عبء يُلقى عليه 0 وبذلك أعده الرسول الحكيم لتحمل عبء إعلان الحرب على الأبيض والأصفر ، وقتال القريب والبعيد من كافة أهل الشرك والكفر.
وهذا نموذج مصغَّر من تلك المؤخاة :
أخوان – المهاجر
الأنصاري - بو بكر الصديق
خارجة بن زهير
أخوان – المهاجر
الأنصاري أبو عبيدة عامر بن الجرَّاح
سعد بن معاذ
أخوان – المهاجر
الأنصاري عبد لرحمن بن عوف
سعد بن الربيع
أخوان – المهاجر
الأنصاري عمر بن الخطاب
عِتبان بن مالك
أخوان – المهاجر
الأنصاري عثمان بن عفان
أوس بن ثابت
أخوان – المهاجر
الأنصاري طلحة بن عبيد الله
كعب بن مالك
أخوان – المهاجر
الأنصاري سلمان الفارسي
أبو الدرداء
أخوان – المهاجر
الأنصاري بلال بن رباح
أبو رويحة

وها هي ذي الكلمة الطيبة التي قالها الحبيب صلى الله عليه وسلم فتمت بها المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار إنها هي قوله فداه أبي وأمّي والناس أجمعون :
( إن إخوانكـم قد تركوا الأمـوال والأولاد وخرجوا إليكـم )
وما إن قالها حتى قال الأنصار : أموالنا بيننا قطائع 0 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أو غير ذلك ؟ ) فقالوا : وما ذاك يا رسول الله ؟ قال : ) هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم العمل ، وتقاسمونهم الثمر ) . قالوا : نعم 0 وبعدها قال المهاجرون يا رسول الله ما رأينا مثل قومٍ قدِمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ، ولا أحسن بذلاً من كثير ، لقد كفونا المؤونة وأشركونا في المهنأ ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله 0 فقال الحبيب صلى الله عليه وسلم : ( لا ، ما أثنيْتُم عليهو ودعوتم الله لهم ) .
هكذا كانت المؤاخاة في ظروف الحاجة ، ولما وسع الله على المسلمين نسخ التةارث بها وأقر المودة والحب بينهم 0 فقال تعالى : ( وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً {6} ( (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأحزاب آية : 6




(74)
نتائج وعبر :


إن لهذه الخطوات الخمس من السيرة العطرة نتائج وعبراً نجملها في الآتي :
(1) المسجد في الإسلام هو المنطلق لكل خير وكمال ، تطلبه الأمة المسلمة ، إذ فيه تعالج أمراض الجهل وسوء الخلق ، والملكات السيئة في بعض الأفراد 0
(2) ظهور الحكمة المحمدية في كل خطوة من هذه الخطوات الخمس 0
(3) الموادّ التي اشتمل عليها الميثاق الذي تضمنه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم للمهاجرين والأنصار دالة على ما كان يتمتع به الحبيب صلى الله عليه وسلم من العلم والحكمة وحسن السياسة والرشد العام فيها
(4) المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ، وكتاب الميثاق وما اشتمل عليه من مواد إصلاحية وسياسية الكل دال بوضوح على أن هناك توقعاً لحرب قد يطول مداها ، وكذلك فقد دامت زهاء عشر سنوات أي إلى أن التحق الحبيب صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى ، وخاضها بعده خلفاؤه وتابعوهم ، وستبقى الحرب وتستمر بين الشرك والتوحيد ، والإيمان والكفر ما بقيت فتنة ، ووجد يعبد غير الله تعالى . (1)
مصداق هذا قوله تعالى من سورة الأنفال : ) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ {39} ) (2)

أسئلة : من صفحة 146إلى 150

س1- متى دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة النبوية ؟
س2- من أول من قدم من مكة إلى المدينة من الصحابة ؟
س3- أين نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة النبوية ؟
س4- أين بركت ناقة الرسول صلى الله عليه وسلم ؟
س5- ماذا كان يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه عندما يعرضون عليه النزول عندهم ؟
س6- اذكر جهود الرسول صلى الله عليه وسلم في الإصلاح والتأسيس والبناء بالمدينة النبوية ؟
س7- اذكر خمسة من المهاجرين والأنصار أخا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم 0؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر (السيرة النبوية )(1/504) لابن هشام ،( البداية والنهاية )(3/176) لابن كثير ، ( زاد المعاد في هدي خير العباد)(3/63) ،( الرحيق المختوم)(ص218) صفي الرحمن المباركفوري 0(هذا الحبيب صلى الله عليه وسلم يا محب)(ص178-179) لأبي بكر جابر الجزائري .
(2) سورة الأنفال : آية : 39









(75)

غــزوة بــدر الأولــى
أسبابها : إن سبب هذه الغزوة هو أن كـرز بن جابر الفهري أغار على سرح المدينة أي ما شيتها من إبل وغنم وبقر ، وذلك بعد عودة النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة العشيرة ببضعة أيام .(1)
فلما أغار كرز على سرح المدينة خرج الحبيب صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في طلبه لافتكاك الماشية منه ، فاستخلف صلى الله عليه وسلم على المدينة زيد بن حارثة مولاه ، وعطى اللواء عليّ بن أبي طالب ن وسار في طلب كرز حتى بلغ وادياً يقال له سَفْوَان في ناحية بدر ، وفاته كرز فلم يدركه ، فسمّيت هذه الغزوة بغزوة بدر الأولى ، إذ انتهى فيها مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قرب بدر ، ووصفت بالأولى لأن بعدها بدراً الكبرى التي نصر الله فيها الرسول والمؤمنين على أبي سفيان والمشركين وهناك بدر الآخرة، فلذا قيل في هذه بدر الأولى .(2)
غزوة بدر الثانية الكبرى الفاصلة :
لهذه الغزوة الفاصلة في تاريخ الدعوة الإسلامية ، والمعَنْونُ لها في القرآن بيوم الفرقان 0
قال ابن القيم – رحمه الله تعالى :
فلما كان في رمضانَ مِن هذه السنة ، بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرُ العِير المقبلة من الشام لقريش صُحبةَ أبي سفيان ، وهي العِير التي خرجوا في طلبها لما خرجت مِن مكة ، وكانوا نحو أربعين رجلاً ، وفيها أموالٌ عظيمة لِقريش ، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس للخروج إليها ، وأمر من كان ظهرُه حاضراً بالنهوض ، ولم يحْتَفِلْ لها احتفالاً بليغاً ، لأنه خرج مُسْرِعاً في ثلاثمائة وبضعة عشرة رجلاً ، ولم يكن معهم من الخيل إلا فَرَسان :
فرس للزبير بن العوام ، وفرسٌ للمِقداد بن الأسود الكندي ، وكان معهم سبعون بعيراً يَعْتَقِبُ الرجلان والثلاثةُ على البعير الواحد، فكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، وعلي ، ومَرْثَدُ بنُ أبي مَرْثَدٍ الغَنوي ، يعتقِبون بعيراً (3)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) غزوة العشيرة في آخر جمادي الأولى ، وبعد عودته في أول الشهر من غزوة بواط بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن أكثر من عير لقريش – أي قوافل تجارية – ذاهبة إلى الشام فعزم على السير إليها لعله يظفر ببعضها.
فخرج صلى الله عليه وسلم بعد أن استخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد ، وأعطى اللواء عمه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه 0 وسار حتى نزل العشيرة من بطن ينبع ، ولم يلق من ععيرات قريش ولا عيراً لفواتها ، ولكنه صلى الله عليه وسلم وادع فيها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة ، فكان في ذلك خير للإسلام والمسلمين ، فأقام بالمنطقة بقية جمادي الأولى ، وليالي من جمادي الآخرة ، وعاد إى المدينة ، ولم يلق كيداً من أحد ، والحمد لله .
وأخرج البخاري (7/218) عن زيد بن أرقم قيل له : كم غزا النبي من صلى الله عليه وسلم غزوة ؟ قال : تسع عشرة ، قيل : كم غزوت أنت معه ؟ قال : سبع عشرة ، قلت : فأيهم كانت أول ؟ قال : العشير أو العشيرة ، فذكرت لقتادة ، فقال : ( العشيرة ) وفي (صحيحه) أيضاً (8/116) عن بريدة قال : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ست عشرة غزوة ، ولمسلم (1814) عنه أنه غز مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست عشرة غزوة 0 وفي رواية له عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة ، وقاتل في ثمانٍ منهن 0
(2) ( هذا الحبيب صلى الله عليه وسلم يا محب)(ص206) لأبي بكر جابر الجزائري .
(3) قال شعيب : هذا قول ابن إسحاق كما في (السير)(1/613 )(1/411) والذي جاء في (مسند) أحمد(4901) و(3965) من حديث ابن مسعود قل : كنا يوم بدر ، كل ثلاثة على بعير – أي يتعاقبون – وكان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فقالا : نحن نمشي عنك ، فقال : ( ما أنتما بأقوى مني ، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما ) وسنده حسن ، وصححه الحاكم ووفقه الذهبي 0 كذا قال شعيب ! وقال الألباني : سكت عنه الذهبي 0 وانظر (السلسلة الصحيحة)(2257) للألباني .





(76)

وزيد بن حارثة ، وابنه وكبشةُ موالي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يعتَقبونَ بعيراً وأبو بكر ، وعمر ، وعبدُ الرحمن بن عوف ، يعتقبون بعيراً ، واستخلف على المدينةِ وعلى الصلاة ابنَ أم مكتوم ، فلما كان بالرواحاء(1)
رد أبا لُبابة بن عبد المنر ، واستعمله على المدينة ، ودفع الواء إلى مُصعبِ بنِ عمير ، والراية الواحدة إلى عليَّ بن أبي طالب ، والأخرى التي للأنصار إلى سعد بن معاذ ، وجعل على الساقة قيس بن صَعْصَعَةَ ، وسار ، فلما قَرُبَ من الصَّفْرَاء ، بعث بَسْبسَ بن عمرو الجهني ، وعدي بن أبي الزغباء إلى بدر يتجسَّسان أخبار العِير 0
وأما أبو سفيان ، فإنه بلغه مخرجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصده إياه ، فاستأجر ضَمْضَمَ بنَ عمرو الغِفاري إلى مكة ، مُستصْرخاً لقريش بالنَّفير إلى عِيرهم ، ليمنعوه من محمد وأصحابه ، وبلغ الصريخُ أهل مكة ، فنهضوا مُسرِعينَ ، وأعبوا (2) في الخروج ، فلم يتخلَّفْ من أشرفهم أحدٌ سوى أبي لهب ، فإنَّه عوَّض عنه رجلاً كان له عليه دين ، وحشدُوا فيمن حولهم من قبائل العرب ، ولم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش إلا بني عدي ، فلم يخرج معهم منهم أحد ، وخرجوا مِن ديارهم كما قال تعالى : ( وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ {47} )(3) وأقبلوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بِحَدِّهِمْ وَحَدِّيدِهِم ، تُحَادُّهُ وَتُحَاُّ رَسُوُلَه ) (4) ولما بلغَ رسول الله صلى الله عليه وسلم خروجُ قُريش ، استشار أصحابه ، فتكلَّم المهاجرون فأحسَنُوا ، ثم استشارهم ثانياً ، فتكلم المهاجرون فأحسنوا ، ثم استشارهم ثالثاً ، ففهمت الأنصارُ أنه يعنيهم ، فبادر سعدُ بن معاذ ، فقال : يا رسول الله ! كأَنَّكَ تُعَرِّضُ بنا ؟ وكان إنما يعنيهم ، لأنهم بايعوه على أن يمنعوه من الأحمر والأسود في ديارهم ، فلما عزم على الخُروج ، استشارهم لِيعلم ما عندهم ، فقال له سعد : لَعَلََّكَ تَخْشى أنْ تَكُون الأنصارُ تَرَى حقاً عليها أن لا ينصروك إلا في ديارها ، وإني أقول على الأنصارُ وأُجِيب عنهم : فاظْعَنْ حَيْثُ شِئت ، وَصِلْحَبْلَ مَنْ شِئْتَ ، واقْطَعْ حَبْلَ مَنْ شِئْتَ ، وخُذْ مِنْ أمْوَالِنا مَا شِئْتَ ، وَأعطِنَا مَا شِئْتَ ، وَمَا أَخَذْتَ مِنَّاْ كانَ أحَبَّ إلينا مما تركتَ ،وما أمَرْتَ فيه من أمرٍ فأَمْرُنا تَبَعٌ لأِمْركَ ، فوالله لو سرتَ حتى تبلغ البّرْكَ غمدان لنسيرَنَّ معكَ ، ووالله لِئن استعَرَضت بِنَا هذا البحر خُضناه معَكَ 0
وقال له المقدادُ : لا نقولُ لك كما قال قَوْمُ موسى لِموسى : اذهب أنتَ وربك فقاتِلا إنَّا هَاهُنَا قَاعِدونَ ، ولكِنَّا نُقاتل عَنْ يَمِيِنكَ ، وعن شِمَالِكَ ، وَمنْ بَيْنِ يَديْكَ ، ومِنْ خلفكَ فأشرق وَجْهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسُرَّ بِما سَمِعَ مِنْ أصحابهِ ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( سِيروا وأبْشِروا ، فإن اللهَ قَدْ وَعضدَني إحدَى الطائِفَتَيَن ، وإنِّي قَدْ رأيتُ مصارع القوْمِ ) (5)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الرَوْحاء : بفتح وسكون الواو : قرية على نحو أربعين ميلاً من المدينة .
(2) يقال : أوعب القوم : إذا خرجوا كلهم إلى الغزو .
(3) سورة الأنفال آية : 47
(4) من روايه ابن إسحاق في (السيرة النبوية)(1/621) لابن هشام 0 وأقره شعيب في تحقيق على الزاد (3/172/3)
(5) أخرجه البخاري (7/223) وأحمد في (المسند )(1/390 و428) ، ومسلم (1779) من حديث أنس وغيرهم.




(77)


فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر ، وخَفَضَ أبو سُفيان فَلَحِقَ بساحل البحر ، ولما رأى أنه قد نجا ، وأحرز العير ، كتب إلى قريش : أن ارجعوا ، فإنكم إنما خرجتم لِتُحْرِزُوا عيركم ، فأتاهم الخبرُ ، وهم بالجُحْفَةِ ، فهمُّوا بالرجوع ، فقال أبو جهل : والله لا نرجع حتى نَقْدَمَ بدراً ، فنقيمَ بها ، ونُطِعمَ من حَضَرَنَا من العرب ، وتخافُنا العرب بعد ذلك ، فأشار الأخنس ابن شُريق عليهم بالرجوع ، فَعَصَوْه ، فرجع هو وبنو زُهرة ، فلم يشهد بدراً زُهري ، وأرادت بنو هاشم الرجوع ، فاشتدَّ عليهم أبو جهل ، وقال : لا تُفَارِقُنا هذه العِصابة حتى نَرْجعَ ، وسار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل عشياً أدنى ماء مِن مياه بدر 0
وسار المشركون سِراعاً يريدون الماء ، وبعث علياً وسعداً والزبير إلى بدر يلتمِسونَ الخبر ، فَقَدِمُوا بعبدين لقريش ، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم قائم يُصلي ، فسألهما أصحاه : مَنْ أنتما ؟ قال : نحن سُقاةٌ لِقريش ، فكره ذلك أصحابه ، وودُّوا لو كانا لِعير أبي سفيان ، فلما سلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما : أخبرني أيْنَ قُريشٌ ؟ قالا : وراء هذا الكثيب 0 قال : كم القوم ؟ فقالا : لا عِلم لنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كم ينحرون كُلَّ يوم ؟ فقالا : يوماً عشراً ، ويوماً تسعاً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : القومُ ما بين تسعمائة إلى الألف ، فأنزل الله عز وجلَّ في تلك الليلة مطراً واحداً ، فكان على المشركين وابالاً شديداً منعهم من التقدم ، وكان على المسلمين طَلاَّ طهَّرهم به ، وأذهب عنهم رجس الشيطان ، ووطَّأ به الأرض ، وصلَّب به الرملَ ، وثبت الأقدام ، ومهَّدَ به المنزل ، وربط به على قلوبهم ، فسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى الماء ، فنزلوا عليه شطرَ الليل ، وصنعوا الحياض ، وبني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش يكون فيها تلٍّ يُشرف على المعركة ، ومشى في موضع المعركة ، وجعل يُشسر بيده ،) هذا مصرع فلان ، وهذا مصرع فلان ، وهذا مصرع فلان إن شاء الله ، فما تعدى أحد منهم موضع إشارته ) .(1)
في معسكر الإسلام :
فلما طلع المشركون ، وتراءى الجمعانِ ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اللهُمَّ هذهِ قُرَيْشٌ جاءت بخيلائها وفَخْرِهَا ، جاءتْ تُحادُّك ، وتَكَذِّبُ رسولك ( ، وقام ورفع يديه ، واستنصر ربَّه وقال : ( اللهم أنْجِزْ لي ما وَعدْتَنَي ، اللهم إني أنشُدكَ عَهْدَكَ ووعْدَكَ ) ، فالتزمه الصديق من ورائه ، وقال : يا رسول الله ! أبشر ، فوالذي نفسي بيده ، لَيُنجزِنَّ الله لكَ ما وَعَدَك)(2) واستنصر المسلمون الله ، واستغاثُوه ، وأخلصوا له وتضرَّعوا إليه ، فأوحى الله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر (مسند الإمام أحمد)(1/26)،(3/219)،(3/258) من حديث أنس وسنه صحيح ، ومسلم (1779) 0
(2) أخرجه مسلم (1763) من حديث عمر قال : لما كان يوم بدر ، نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين ، وهم ألف ، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة رجلاً ، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ، ثم مد يديه ، فجعل يهتف بربه : ( اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم آت ما وعدتني ، اللهم إن تُهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض ) ، فما زال يهتف بربه مادً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه ، فأتاه أبو بكر ، فأخذ رداءه ، فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه ، وقال : يا نبي الله كفاك مناشدتك ربَّك ، فإنه سينجز لك ما وعدك 000 ) وصححه الترمذي وعلي بن المديني ، وأخرجه أحمد(1/30و32) ، وأبو داود ، وأخرج البخاري(7/224، 226) والترمذي وابن جرير من حديث ابن عباس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر : ( اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إن شئت لم تعبد ) فأخذ أبو بكر بيده فقال : حسبك 0 فخرج وهو يقول : ( سيُهزم القوم ويولون الدبر) 0 انظر (زاد المعاد)(3/176) تحقيق شعيب (2) 0




(78)


إلى ملائكتهِ : ( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ {12} ) (1)
فأوحى الله إلى رسوله : ? إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ {9} ( (2) وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جذْع شجرة هُناك ، وكانت ليلةَ الجمعة السابع عشرَ من رمضان في السنة الثانية من الهجرة المباركة

التقاء الــفريقين :

في صبيحة السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة تلاقى فريق التوحيد مع فريق الشرك ، وقد قلَّلَ الله كلاًّ من الفريقين في عين الآخر قال تعالى : ( وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ {44}) (3)
وبدأت المعركة فرمى المشركون مَهجَعاً مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما – بسهم فكان أول قتيل من المسلمين في المعركة ، ثم رمى حارثة بن سراقة أحد بني عدي بن النجار وهو يشرب من ماء الحوض بسهم فأصاب نحره فقتل وهو الذي جاءت أمه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عاد إلى المدينة وقالت يا رسول الله أخبرني عن حارثة فإن كان في الجنة صبرت ، وإلا فليرين الله ما أصنع – تريد من البكاء والنياحة عليه – فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ويحك أهبلت ، إنها جنان ثمانٍ وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى( (4)
وخرج من معسكر المشركين الأسود بن عبد الأسد المخزومي وكان رجلاً شَرِساً سيء الخلق فقال : اعاهد الله لأشربنّ من حوضهم أو لأهدمنّه أو لأموتنّ دونه 0
فخرج إليه حمزة رضي الله عنه فلما التقيا ضربه حمزة فأطنَّ (5) قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض فوقع على ظهره تشخب رجله دماً ، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد أن يبرَّ يمينه واتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض فكان أول قتيل من المشركين 0

المبارزة قبل الالتحام :
من سنة الحرب عند الأولين أنهم يبدأون المعركة بالمبارزة بأن يطلب أحد المعسكرين المبارزة من الآخر من باب إثارة الحميّة وتهييج المقاتلين 0
وهنا في غزوة بدر خرج عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة وابنه الوليد بن عتبة بن ربيعة فدعا إلى المبارزة فخرج إليه فتية من الأنصار ، وهم عوف ومعوّذ ابنا عفراء ، وعبد الله بن رواحه فسألوهم : من أنتم ؟ فقالوا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأنفال آية : 12
(2) سورة الأنفال آية : 9
(3) سورة الأنفال آية : 44
(4) رواه البخاري من حديث أنس 0 وانظر (مشكاة المصابيح)(3809) تحقيق الألباني .
(5) أطنَّ قدمه : أي قطعها من نصف ساقها.



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 455


خدمات المحتوى


تقييم
7.32/10 (424 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

تيتون راشد الراسبي