كتاب الصيام
الصوم في اللغة : مطلق الإمساك (1)
في الشرع عبارة عن إمساكٍ مخصوص ، وهو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع من الصبح إلى المغرب مع النية .(2) والتعريف الآخر ؛ فهو التعبد لله سبحانه وتعالى بالإمساك عن الأكل والشرب ، وسائر المفطِّرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس .(3)
والصوم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع .
أما الكتاب قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَشَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )(4)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1): صام النهار إذا وقف سير الشمس ، وقال تعالى إخباراً عن مريم : ( إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا )[ سورة مرية آية :23] أي صمها ن لأنه إمساك عن الكلام . وقال الشاعر :
خيل صيام، وخيل غير صائمة ** ** تحت العجاج وأخرى تملك للجما
يعني : بالصائمة الممسكة عن الصهيل .[ تحقيق وتعليق الدكتور عبد الرحمن عميرة على التعريفات]
(2)(التعـــريفات )باب الصاد فصل الواو- (ص177) السيد الشريف على بن محمد بن علي السيد الزَّين أبي الحسن الحسيني الجرجاني الحنفي (740هـ - 816هـ ) عالم الكتب –الطبعة الأولى (1407هـ - 1987م).
(3) ( الشرح الممتع على زاد المستقنع )(3/8) للعلاَّمة / محمد بن صالح العثيمين – دار بن الهيثم – القاهرة .
(4). سورة البقرة آية : 183-185.
99
والسنة المطهرة . حديث عبد الله بن عُمر رضي الله عنهما عنْ أَبِيْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدِ اللهِ بْن عُمَرَ بْن الخَطَّابِ – رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُوْلُ: (بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ؛ شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدَاً رَسُوْلُ اللهِ، وإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيْتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ).(1)
الإجماع ؛ أجمع المسلمون : على فرضيّة صوم رمضان إجماعاً قَطْعياً معلوماً بالضَّرورة من دين الإسلام . فمن أنكر وجوبَه فقَد كفَر فليُسْتَتَابُ، فإن تابَ أقرَّ بوجوبِهِ وإلاَّ قُتِلَ كافراً مرتداً عَن الإسلام لا يُغَسَّلُ ولا يُكفَّن ، ولا يُصلَّى عليه ، ولا يُدْعَى له بالرحمةِ ولا يُدفن في مقابر المسلمين وإنما يُحفَر له بعيداً في مكانٍ ويُدفنُ لئلا يُؤذي الناس بِرَائحتهِ ويتأذى أهلُهُ بمشاهدَته.(2)
• متى فُرِض شهر رمضان ؟
قال الإمام ابن القيم – رحمه الله – في ( الزاد) :
وكان فرضه في السنة الثانية من الهجرة ، فتوفِّيَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد صام تِسع رمضانات ، وفَرِضَ أولاً على وجه التخيير بينه وبين أن يُطعِم عن كُلِّ يوم مسكيناً ، ثم نُقِلَ من ذلك التخيير إلى تحتُّم الصومِ ، وجعل الإطعام للشيخ الكبير والمرأة إذا لم يُطيقا الصيامَ ، فإنهما يُفطران ويُطعمانِ عن كُلِّ يوم مسكيناً .(3)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رواه البخاري (1/20) 2- كتاب الإيمان 2- باب دُعاؤُكم إيمانكم حديث رقم (8) (3/199) 65- كتاب التفسير 30- باب – ( وقاتِلوهم حتى لا تكون فِتنة ويكون الدِّين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ) حديث رقم (4514): ومسلم (1/44) 1- كتاب الإيمان 5- باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام حديث رقم (16).
(2) ( مجالس شهر رمضان ) لفقيه الزمان فضيلة الشيخ العلاَّمة / محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله تعالى .
(3) ( زاد المعاد في هدي خير العباد )(2/30) للإمام ابن القيم الجوزية -رحمه الله – مؤسسة الرسالة – الطبعة الخامة عشر (1407هـ - 1987م)
100
وَبَجِبُ صِيَامُ رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ قَادِرٍ عَلَى الصَّوْمِ ، وَيُؤْمَرُ بِهِ الصَّبِيُّ إِذَا أَطَاقَةُ
الشـــــــرح
قول المصنف – رحمه الله تعالى وَبَجِبُ صِيَامُ رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ
أي ، فلا يقبل من الكافر الصيام ، لأن الأحكام الفرعية لا تجب على الكفار لأنهم لا يخاطبون بأدائها أولاً بل يخاطبون قبل ذلك بالإسلام ، وهو النطق بالشهادتين ، فإذا نطقوا بالشهادتين ، دخلوا في الإسلام ، فإذا أسلموا أُمروا بها – أي بالأحكام الفرعية كالصلاة والصوم والزكاة وغيرها ، علماً أنها وجبةٌ عليهم ومعاقبون على تركها قال تعالى : (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ )(1)
وقوله : بَالِغٍ عَاقِلٍ عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( رُفِعَ القلمُ عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يعقل ) (2)
قَادِرٍ عَلَى الصَّوْمِ ، أي متوفرة فيه شروط الصوم ومنتفية عنه الموانع ومن هذه الشروط ، ما تقدم ذكرها ، والموانع ، كالمرض والسفر المباح كما سيأتي بإذن الله بيانه . فإذا كان غير قادر على الصوم، وقت مرضه أو سفره سقط عنه الصيام حال مرضه أو سفره ، ولا يسقط وجوبه . أي يقضيه في أيامٍ أخر. كما بينهُ ربُنا جلَّ ذكره وتقدس اسمه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة المدثر آية : 42- 44
(2)رواه أبو داود (ص649) 16- باب في المجنون يسرق أو يصيب حداً حديث رقم (4398) والسياق له والنسائي (ص531)27- كتاب الطلاق حديث رقم (3432) والدرامي (2/171) وابن ماجه (ص352) 10- كتاب الطلاق 15- باب طلاق المعتوه حديث رقم (2041) وابن حبان (1496) وأبو يعلى (4/36)(4747) عن حماد بن سلمة عن حماد عن إبراهيم عن السود عن عائشة – رضي الله عنها مرفوعاً وقال الحاكم (2/67)(2350) : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه 0 ووفقه الذهبي ، وأقره الألباني في ( الإرواء ) (297) وقال : صحيح . وانظر ( الإرواء)(911)،(984)،(1450)،(2043) للألباني .
101
، وَيَجِبُ بأَحِدِ ثَلاَثَةِ أَشيَاءَ : كَمَالٍ شَعْبَانَ ، وَرُؤْيَةِ هِلاَلِ رَمَضَانَ ، وَوُجُودِ غَيْمٍ أَوْ قَتْرٍ لَيْلَةَ الثَّلاَثِينَ يَحُولُ دُونَهُ ، وإِذَا رَأَى الْهِلاَلَ وَحْدَهُ صَامَ ، فَإنْ كَانَ عَدْلاً صَامَ النَّاسُ بِقَوْلِهِ ، وَلاَ يُفْطِرونَ إلا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ ، وَلاَ يُفْطِرُ إذَا رَآهُ وَحَدَهُ ، وَإنْ صَامُوا بِشَهَادةِ اثْنَيْنِ ثَلاَثِينَ يَوْماً أَفْطَرُوا ، وَإنْ كَانَ بِغَيْمٍ أوْ قَوْلِ وَاحِدٍ لَمْ يُفْطِرُوا إلاَّ أَنْ يَرَوْهُ ، أَوْ يُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ، وإذَا اشْتَبَهَتِ الأشُهُرُ عَلَى الأَسِيرِ تَحَرَّى وَصَامَ ، فَإنْ وَافَقَ الشَّهرَ أَوْ مَا بَعْدَهَ أَجْزَأَهُ ، وَإنْ وَافَقَ قَبْلَهُ لَمْ يَجْزِهِ.
الشــرح
وقول المصنف –رحمه الله تعالى – وَيَجِبُ بأَحِدِ ثَلاَثَةِ أَشيَاءَ : كَمَالٍ شَعْبَانَ ، وَرُؤْيَةِ هِلاَلِ رَمَضَانَ ، وَوُجُودِ غَيْمٍ أَوْ قَتْرٍ لَيْلَةَ الثَّلاَثِينَ يَحُولُ دُونَهُ ،
وهذا إذا حال ليلة الثلاثين دون منظره غيمٌ أكمل عِدَة شعبان ثلاثين يوماً .
قال ابن القيم – رحمه الله في ( الزاد) : ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - يصوم يوم الإغماء ، ولا أمرَ به ، بل أمر بأن تُكمَّل عِدة شعبان ثلاثين إذا غُمَّ ، وكان يفعل كذلك فهذا فعله ، وهذا أمره ، ولا يناقضُ هذا قوله : (فإن غُمَّ عليكم فاقدْرُوا له )(1) فإن القدر ، هو الحساب المقدَّر ، والمراد به الإكمال كما قال : ( فأكْمِلوا العدَّة ) والمراد بالإكمال ، إكمال عدة الشهر الذي غُمَّ كما قال في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري : (فأكْمِلوا عِدَّة شعبان )(2) وقال : ( لا تصوموا حتى تَروهُ ، ولا تُطِروا حتى تَروهُ ، فإن غُمَّ عليكم فأكْمِلوا العدَّة )(3)
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه البخاري(4/102، 104) في الصوم ك باب إذا رأيتم الهلال ، فصوموا ، ومسلم (1080) في الصيام : باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال ، وأصحاب السنن من حديث عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما .
(2) أخرجه البخاري (4/106) من حديث أبي هريرة .
(3) أخرجه مالك (1/287) في الصيام : باب ما جاء في رؤية الهلال من حديث ابن عباس ، وقال محقق زاد المعاد – عبد القادر الأرنؤوط : وفيه انقطاع ، وقد وصله أبو داود(2327) والترمذي(688) من طريق سِماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس ، وقال الترمذي حسن ، وأخرج مسلم نحوه(1081) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . انتهى .
قلت : والحديثان قال عنهما الألباني في نفس المصدر .[صحيح]
تم إضافته يوم الأحد 20/06/2010 م - الموافق 8-7-1431 هـ الساعة 4:12 مساءً